إخوان الصفاء

449

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

بعد الموت تكون نفسه ملكا سماويّا روحانيّا أبديّ الوجود ، ملتذّا مسرورا فرحا باقيا سرمدا أبدا . واعلم يا أخي بأنك لم تنقل رتبة من هذه المراتب إلا وقد خلع عنك أعراض وأوصاف ناقصة ، وألبست ما هو أجود منها وأشرف ، فهكذا ينبغي أن لا ترتقي في درجة العلوم والمعارف ، إلا وتخلع عن نفسك أخلاقا وعادات وآراء ومذاهب وأعمالا ، مما كنت معتادا لها منذ الصّبى من غير بصيرة ولا رويّة ، حتى يمكنك أن تفارق الصورة الإنسانية ، وتلبس الصورة الملكيّة ، ويمكنك الصعود إلى ملكوت السماوات وسعة عالم الأفلاك ، وتجازى هناك بأحسن الجزاء وأوفر الثواب ، وتعيش بألذّ عيش مع أبناء جنسك الذين سبقوك إليها من الحكماء والأخيار المؤمنين الأبرار ، مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين والصّديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ! واعلم يا أخي بأن الإنسان مطبوع على استعمال القياس منذ الصّبى ، كما هو مجبول على استعمال الحواسّ بلا فكر ولا رويّة ، كما بيّنّا قبل ، ولكنّ قوانين القياسات مختلفة ، كما قد تبيّن ذلك في كتب المنطق وشرائط الجدل بشرح طويل ، ولكن نذكر منها طرفا ليكون مثالا على سائرها . فمن ذلك أن الصّبيان يجعلون قوانين القياسات مختلفة ، كما يجعلون قياساتهم أحوال أنفسهم وآبائهم وإخوانهم ، وتصرّفهم في الأمور ، وما يجدون في منازلهم من الأشياء ، أصولا على سائر أحوال الصّبيان وتصرّف آبائهم ، وما يكون في منازلهم ، وإن لم يروهم ولم يشاهدوا أحوالهم ، قياسا على ما عرفوا من أحوال أنفسهم . وأما العقلاء البالغون من الناس فإنهم يجعلون قوانين قياساتهم ما عرفوه من الأمور ، في متصرّفاتهم وما قد جرّبوه من الأحوال ، أصولا يقيسون بها سائر الأشياء مما لم يشاهدوه ولا جرّبوه ، بل قياسا إلى ما عرفوه حسب . وأما العلماء الذين يتعاطون الجدل ودقيق النظر ، فإنهم يجعلون قوانين قياساتهم ما قد اتّفقوا عليه هم وخصماؤهم ، أصولا ومقدّمات يقيسون